الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

...حادثةٌ مضت }|~


حياتنا مليئة بالمواقف و الأحداث بجميع أنواعها سواء كانت مفرحة, أو محزنة, أو مؤلمة, أو مثيرة وغيرها
عندما تؤول تلك الأحداث إلى زمن الماضي يكون ذكرها من باب السلوان حتى وإن كانت محزنة مؤلمة


قد تذكرت حادثة عمرها خمسة عشر عام تقريبًا ، كنت حينها في المرحلة الابتدائية
تلك الحادثة كانت في إجازة الربيع فقد اعتدنا فيها كما اعتادت كثير من العائلات الخروج للتخييم


في ذلك العام فقط أبي و أخي الأكبر من خرج مع بقية العائلات وكذلك زوج خالتي مع ابنه الأكبر، انطلق الركب في عصر يوم الأربعاء على أن تكون عودتهم في ظهيرة الجمعة


أمي وخالتي وكذا خالي وجدتي - رحمها الله – أشفقوا على حالنا نحن الصغار لذا تشاوروا و اتفقوا على أن نخرج في صبيحة يوم الخميس قاصدين مخيم العائلة في السفانية * لنقيم معهم ونعود مع غروب الشمس للديار


نمنا و الشوق يصحبنا ,و جاء الصباح وكلنا سرور و انشراح وقبل وصول الخال قمنا لتجهيز ما تبقى تجهيزه لتلك الرحلة ، فالوالدة حفظها الله قامت بعجن العجين من أجل أن تطبخ المرقوق هناك ونحن الفتيات قمنا بجمع أردية الشتاء تحسبًا لموجة برد عاتية


حال وصل الخال قام بتبديل سيارته بسيارتنا الكبيرة من نوع van وبعدها نقلنا أمتعتنا داخلها ثم صعدنا لجوفها و انطلقنا متجهين لمنزل خالتي صعدت الخالة و بناتها و ابنها الصغير و قمنا بتمديد المقعد الخلفي للسيارة كي يتسع المكان لنا ثم اتجهنا لمنزل جدي حفظه الله كي نأخذ جدتي عندها أصبح العدد مكتمل فسرنا باتجاه الشمال خارجين من مدينة الدمام متجهين للسفانية ، وفي طريق الرحلة تسامر الكبار بالأحاديث ونحن الصغار بالأهازيج

المسافة الزمنية للرحلة كانت قرابة ثلاث ساعات لكن بدت الحيرة والعجب فقد شاهدنا أن اللوحات الإرشادية تشير لوصولنا للمنطقة في وقت قصير (بالطبع المسافة هي نفسها لكن كان للأحاديث و الأهازيج دور في قصر المسافة معنويًا ) أكملنا السير على الأرض الترابية وحال الوصول للمخيم سرنا نترجل من السيارة بسعادة مضاعفة – سعادة المجيء وسعادة الوصول سريعًا - وعند سلامنا على أهل المخيم كنا نردد على مسمع كل من نسلم عليه بلهجة متعجبة فرِحة : تصدق قد وصلنا سريعًا !

ذهبت النساء لطهي الطعام أما نحن الصغار فقد أخذنا نلهو وكانت من أجمل الألعاب صنع حفرة عميقة وواسعة ثم ندفن أرجلنا داخلها و الفائز من يخرج رجلاه أولًا هذه اللعبة لم نكن نمل منها أبدًا ^^
وضع الغداء فتسابقنا لغسل أيدينا من أجل التهامه فاللعب قد أنهكنا ^^

وبعد ما شبعنا عدنا للّعب وأخذنا خلف سيارتنا موقع جديد للحفرة وبدأت الشمس تميل للغروب وبدأنا بنفض الأتربة العالقة بثيابنا معلنين انتهاء لعِبنا لكن الحفرة لم تردم !
غابت الشمس تمامًا صعدنا للسيارة مودعين أهلنا , حال شروع خالي قيادة السيارة أخبرناه بأمر الحفرة مما اضطره لأخذ الحذر,لكن بسبب الحفرة مال عن الوجهة بغير إدراك منه
كان وضعنا في السيارة كالتالي : خالي على مقعد السائق أمي على المقعد المجاور له جدتي رحمها الله على المقعد الخلفي لأمي خالتي على المقعد الخلفي لخالي شقيقتاي اللتان تكبراني بين مقعدي جدتي وخالتي
أما المقعد الكبير فقد ترامت عليه أجساد الصغار
وفي أخر السيارة كنت أنا في أحدى الزوايا أجلس متربعة وعلى فخذاي قد وضعتا شقيقتي وبنت خالتي رأسيهما وكنت أيضًا باسطة كفي من أجل أن تتوسده أحدى بنات خالتي – بالمختصر المفيد أصبحت مسند لهم -

مشينا قرابة الساعة لكن لم نزل في الصحراء ؟! لهو أمر عجيب إذًا أن المسافة بين المخيم و الشارع الرئيس لا تتعدى نصف ساعة ليس هناك إلا تفسير واحد : نحن تائهون في الصحراء

ظل خالي يقود السيارة على أمل أن يصل للشارع لكن لم يكن ذا ثم أوقف السيارة فجأة وترجل منها تحت مخاوف وتحذيرات من جدتي و أمي و خالتي أنا بدأت أترقب سماع صراخ و ضرب على السيارة فقد قرأت قصة كان من أحداثها ضياع مجموعة من الشباب في البر وعند ترجلهم من السيارة تتهجم عليهم الذئاب وتلتهم ولا تبقي منهم شيء لهو تخيل مرعب جدًا جدًا ثم سمعت صوتًا يا إلهي إن مصدره من فوق السيارة إلهي ألطف بخالي يا رب لطفك يا رب لطفك ولم تكن سوى لحظات حتى فنت تلك الظنون إذ دخل الخال للسيارة ومن حديثه فهمت أنه صعد على سطحها عل وعسى أن يستطيع تحديد الاتجاهات، أمسك الخال بموقد السيارة وداس على بنزينها من أجل أن يكمل المسير سارت السيارة وسارت إلى أن بدأنا نشعر أنها تغوص في التربة وعند تفحص الأمر أكتشف أننا فوق بقعة طين و السيارة غير مؤهله للخوض في هكذا تضاريس فما كان من الخال إلا أن يضغط بشكل أقوى عائدًا للخلف وقد صاحبت هذه العودة استغفارات من الوالدة و الجدة و الخالة وكذا أختاي إذ لم يكن سوى نحن السبعة المستيقظون

الحمد لله أن نجونا من تلك البقعة وبعدها ظل خالي يمشي بسرعة لكي لا يتسنى للسيارة أن تغوص لم تمضي دقائق إلا ويضغط الخال على مكابح السيارة بقوة وجدتي رفعت صوتها قائله : لا إله إلا الله لا إله إلا الله
ما الخطب الآن ماذا حصل لدمعي؟ بدأت في التجمع في مقلتي إني على وشك الانهيار لا أستطيع النهوض فوضعي لا يسمح أبدًا أو تنتهي حياتنا هنا أم سنجد من ينقذنا ؟
حاولت أن أطل برأسي على قدر استطاعتي لمقدمة السيارة أريد أن أعرف ماذا يحدث
رأيت نعم رأيت أنها جمال إنها جمال تحيط السيارة هل ستقلبها هل ستقلبها ؟ جاء الجواب سريعًا فعلمت أننا أصبحنا في وسط قطيع من الجمال النائمة وكان أمام السيارة مباشرة إحداها لكن كان فضل الله كبير علينا إذ وقفت السيارة قبل أن تصدمه ثم أن الجمال قامت من مكانها غير ملتفة لنا حمدت الله كثيرًا وكذا من كان مستيقظ وبدأت قلوبنا تعود لسكونها تدريجيًا

بدأ التسامر بالأحداث التي مررنا بها وكيف أن ربي من علينا بالنجاة وقد قيل : ربما ما يحدث لنا بسبب أننا لم نحمد ربنا عندما وصلنا سريعًا للمخيم ؟ وانطلقت عبارات التأييد
ثم سمعت أنهم يرون على الأفق شيء رمادي اللون فأسرع خالي نحوه فبالتأكيد هو الشارع،
لكن لم نرى سيارات تمر من فوقه هذا لم يمنعنا من إكمال المسير نحوه وعند الوصول له كانت الصدمة
ما هذا ما الذي نراه شيء غير معقول إنها أنابيب التابلين الممتدة من البقيق إلى لبنان مارة بالكويت ما العمل الأن كيف السبيل للخلاص رحماك ربي رحماك

بدأ اليأس يشاطرنا باقي ليلتنا ثم فجأة ظهرت لنا سيارة اقتربت منا و اقتربنا منها كان سائقها كويتي الجنسية سأله خالي عن الطريق فدله عليه وبعد أن شكره الخال انطلق إلى أن وصلنا للطريق وقتها أذنت لجفني أن يطبق على عيني وسمحت للنوم أن يسيطر علي فما كان استيقاظي طيلة تلك الفترة إلا إحساسي بالذنب فأنا كنت مع من حفر تلك الحفرة التي كانت السبب في ضياعنا ثم لم أصحوا إلا على صوت أذان الفجر وصوت خالي وهو يوقظ بنات خالتي فقد وصلنا لمنزلهم

وهكذا انتهت الحكاية

أتمنى أني وفقت في سردها وكذا أتمنى أن ترتقي لذائقتكم

_________________________________________

* السفانية : تقع في الشمال الشرقي من المملكة

هناك 6 تعليقات:

  1. جميل ان تحتفظي بذكريات جميلة كهذه. على قدر الرعب الذي يملأها، إلا انها الان ليست سوى ذكرى جميلة تأنسين بها لترويها على الاخرين..

    حوادث الضياع والخوف كثيرة، لا سيما عند الاطفال فالقصص المختزلة بذاكرتهم لا تلبث كثيرا في خيال العقل حتى يحاولون اسقاطها على واقعهم. فبمجرد ان اشتموا رائحة الضياع والتيه حتى تراءت لهم كل القصص والحكايا القديمة وافلام الرعب وما حاكته مخيلتهم !.

    حمدا لله على سلامتكم وقصه جميله..

    كوني بخير..

    ردحذف
  2. فعلًا هو شيء جميل تذكر حوادث الماضي =]

    و بالتأكيد سيستحضر ذلك العقل الصغير كل ما كان يقرأ ويشاهد

    لكن حمدًا لله لم أتجرأ على تطبيق دور الأبطال الخرافيون ذوي الأمكانات الخارقة =]

    سلمك الله

    سعدت بتعليقكم

    وفقتم

    ردحذف
  3. فعلا ذكرى مخيفه لكن جميله لكي تُروى

    ردحذف
  4. أنا ودي أعرف وش يبون ذولا راعين الباعرين ..كم واحد اعرفه راح ضحية لذولا الي مسرحين بعارينهم بالنفدان ..

    الحمد الله على سلامتكم أختي أماني ..

    ومدونه رائعة جداً بمعنى الكلمة ^^

    ردحذف
  5. نورة
    حياك الباري

    فعلًا مخيفة و مثيرة =]

    سعدت بتواجدك في مدونتي

    ردحذف
  6. معاذ

    فعلًا لما هذا التسيب من أصحاب الإبل ><

    دائمًا عندما يذهبون بنا الشباب لجولة تفحيط كل ما أخشاه هو ظهور إحدى الجمال فجأة فيحدث ما لا يحمد عقباه /:

    سلمك الله من كل مكروه

    حياك الله =]
    وشكرًا على إطرائك

    ردحذف